فصل: باب ابْنَىْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأمِّ وَالآخَرُ زَوْجٌ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح صحيح البخاري لابن بطال ***


كِتَاب الْفَرَائِضِ

وقَوْلِ اللَّهِ عز وجل‏:‏ ‏{‏يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏

- فيه‏:‏ جَابِرَ، مَرِضْتُ، فَعَادَنِى النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِى وَقَدْ أُغْمِىَ عَلَىَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم فَصَبَّ عَلَىَّ وَضُوءَهُ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِى مَالِى‏؟‏ كَيْفَ أَقْضِى فِى مَالِى‏؟‏ فَلَمْ يُجِبْنِى بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ‏)‏ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وهذا إذا لم يكن معهم أحد من أهل الفرائض، فإذا كان معهم من له فرض معلوم بدئ بفريضته فأُعطيها، وجُعل الفاضل من المال للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا إجماع، ودخل فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوصيكم الله فى أولادكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ ولد الرجل لصلبه من الذكور والإناث وولد بنيه وبنى الذين ينتسبون بآبائهم إليه من الذكور والإناث غير أنهم ينزلون على قدر القرب منه‏.‏

فإن كان فى ولد الصلب ذكر لم يكن لأحد من ولد الولد شىء‏.‏

وإن لم يكن فى ولد الصلب ذكر وكان فى ولد الولد بُدئ بالبنات الذين للصلب فأعطين إلى مبلغ الثلثين، ثم أعطى الثلث الباقى لولد الولد إذا استووا فى القعدد أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من بنات البنين‏:‏ ‏(‏للذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وفرض الله للبنت الواحدة النصف، وفرض لما فوق الاثنين من البنات الثلثين‏.‏

قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ ولم يذكر الاثنتين فى كتابه، فكان فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ دليل على أنه إذا كان ذكرًا وأنثى أن للذكر الثلثين وللأنثى الثلث، فإذا وجب لها مع الذكر الثلث كان الثلث لها مع الأنثى أوكد، فاحتيج والله أعلم إلى ذكر ما فوق الاثنتين ولم يحتج إلى ذكر الاثنتين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ فإنما يعنى بقوله‏:‏ ‏(‏ولأبويه ‏(‏أبوى الميت لكل واحد منهما السدس سواء فيه الوالد والوالدة لا يزاد واحد منهما على السدس إن كان له ولد، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة‏.‏

فإن قيل‏:‏ فيجب أن لا يزاد الوالد مع الابنة الواحدة على السدس شيئًا، وإن قلت هذا فهو خلاف الأمة لتصييرهم بقية مال الميت وهو النصف بعد أخذ الابنة نصيبها للأب‏.‏

قيل‏:‏ ليس الأمر كما ظننت وما زيد الأب على السدس من بقية النصف مع البنت الواحدة فإنما زيد بالتعصيب؛ لأنه أقرب عصبة الميت إليه، وكان حكم ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة الميت وأقربهم إليه لسنة النبى صلى الله عليه وسلم وكان الأب أقرب عصبته إليه وأولاها به إذا لم يترك ابنًا ذكرًا‏.‏

وقال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ ذكرت فريضة الأبوين فى القرآن إذا كان للميت ولد أو إخوة وإذا لم يكن له ولد، ولم تذكر فريضتهما إذا كان للميت زوج أو زوجة فاحتيج فى هذا الموضع إلى النظر والاعتبار، فكان وجه النظر يدل أنه يبدأ بالزوج والزوجة فيعطى كل واحد منهما فرضه المنصوص له فى القرآن وهو النصف إذا لم يكن للميتة ولد أو ولد ولد والربع للزوجة إذا لم يكن للميت ولد أو ولد ولد فيبدأ بفرض كل واحدٍ منهما على الأبوين؛ لأن الأبوين لم يُسم لهما فى هذا الموضع فرض منصوص، وإنما المنصوص لهما إذا كان مع الميت ولد أو إخوة وإذا ورثاه هما، فلما حدث معهما الزوج أو الزوجة زال الفرض المنصوص لهما، ووجب أن يبدأ بالفرض المنصوص للزوج أو الزوجة ثم ينظر إلى ما بقى؛ لأن النقيصة لما دخلت عليهما من قبل الزوج أو الزوجة وجب أن تكون داخلة عليهما على قدر حصصهما‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كان له إخوة فلأمه السدس‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏، قال مالك‏:‏ مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا وعلى هذا جماعة أهل العلم‏.‏

وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الاثنان فما فوقهما جماعة‏)‏ وقد جاء فى لفظ القرآن لفظ الجمع للاثنين قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏‏.‏

وأجمع العلماء أن الرجل إذا توفى وترك ابنتيه أو أختيه لأبيه فلهما الثلثان، فإن ترك من البنات والأخوات أكثر من اثنتين لم يزدن على الثلثين فى ذلك حال الاثنتين فأكثر منهما، فدل أن الاثنين فى معنى الجماعة؛ لأن الجمع إنما سمى جمعًا؛ لأنه جمع شىء إلى شىء فإذا جمع إنسان إلى إنسان فقد جمع‏.‏

دليل آخر، قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإن كانوا إخوة رجالا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ وقد أجمعت الأمة أن الأخ الواحد مع الأخت الواحدة للذكر مثل حظ الأنثيين فقد دخلا فى لفظ الجماعة بنص القرآن‏.‏

وشذ ابن عباس فقال‏:‏ الإخوة الذين عنى الله بقوله‏:‏ ‏(‏فإن كان له إخوة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ ثلاثة فصاعدًا وكان ينكر أن يحجب الله تعالى الأم عن الثلث مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة، فكان يقول فى أبوين وأخوين للأم الثلث وللأب ما بقى كما قال أهل العلم فى أبوين وأخ واحد‏.‏

وقول جملة أهل العلم فى أبوين وأخوين للأم السدس وباقى المال للأب، ولا يوجد فى جميع الفرائض على مذهب زيد بن ثابت مسألة يحجب فيها من لا يرث غير هذه‏.‏

واختلف العلماء لم نقصت الأم عن الثلث بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدًا‏؟‏ فقالت طائفة‏:‏ نقصت الأم وزيد الأب؛ لأن على الأب مؤنتهم وإنكاحهم دون أمهم، روى ذلك عن قتادة‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ إنما حجب الإخوة الأم عن الثلث إلى السدس ليكون لهم دون أبيهم؛ رواه طاوس عن ابن عباس‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وأولى الأقوال بالصواب أن يقال‏:‏ إن الله تعالى إنما فرض للأم مع الإخوة السدس لما هو أعلم به من مصلحة خلقه، وقد يجوز أن يكون لما ألزم الآباء لأولادهم وقد يجوز لغير ذلك، وليس ذلك مما كُلفنا عمله، وإنما أُلزمنا العمل بما علمنا، وما رواه طاوس عن ابن عباس مخالف للأمة؛ لأنه لا خلاف بين الجميع أنه لا ميراث لأخ الميت مع والده فبان فساده‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من بعد وصية يوصى بها أو دين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ تأويل الكلام لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد من بعد وصية يوصى بها أو دين يقضى عنه‏.‏

وأجمع العلماء على أنه لا ميراث لأحد إلا بعد قضاء الدين ولو أحاط الدين بماله كله، وإن أهل الوصايا بعد قضاء الدين شركاء الورثة فيما بقى ما لم يجاوز ذلك الثلث‏.‏

وقد روى سفيان عن أبى إسحاق، عن الحارث الأعور، عن على بن أبى طالب، رضى الله عنه، قال‏:‏ ‏(‏إنكم تقرءون هذه الآية‏:‏ ‏(‏من بعد وصية يوصى بها أو دين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية‏)‏‏.‏

قال إسماعيل‏:‏ وفهم بالسُنة التى مضت والمعنى أن الدين قبل الوصية؛ لأن الوصية تطوع وأما الدين فرض عليه فعلم أن الفرض أولى من التطوع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ يعنى آباؤكم وأبناؤكم الذين أوصاكم الله تعالى بقسمة الميراث بينهم فأعطوهم حقوقهم لأنكم لا تدرون أيهم أقرب لكم فى الدين والدنيا الولد أو الوالد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏‏.‏

قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ لم يختلف العلماء فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله أخ أو أخت ‏(‏أنهم الإخوة للأم‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ‏(‏إلى‏)‏ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏‏.‏

فلم يختلف العلماء فى أن هؤلاء الإخوة للأب كانت أمهم واحدة أو كانت أمهاتهم شتى، والدليل من القرآن على إبانة هؤلاء من أولئك قوله تعالى فى هؤلاء‏:‏ ‏(‏للذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ إذا كانوا يأخذون بالأب وجعل لهم المال كله فى بعض الحالات، وقال فى الآخرين‏:‏ فهم شركاء فى الثلث؛ فجعل الذكر والأنثى سواء إذا كانوا يأخذون بالأم خاصة فقصرهم على الثلث‏.‏

قال مالك‏:‏ والأمر المجمع عليه عندنا أن الإخوة للأم لا يرثون مع الولد ولا مع ولد الابن ذكرًا كان أو أنثى شيئًا، ولا مع الأب ولا مع الجد أب الأب شيئًا، ويرثون فيما سوى ذلك للواحد منهم السدس على ما تقدم ذكره‏.‏

قال إسماعيل‏:‏ وليس فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏، وقوله‏:‏ ‏(‏ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏ شىء يحتاج إلى كلامه فيه إلا ما روى عن ابن عباس فى عول الفرائض أنه كان لا يقبل فريضة، ولا نعلم أحدًا من الصحابة وافق عليه وكان ينكر أن يكون جُعل فى مال نصف ونصف وثلث، وكان يرى فى مثل هذا إذا وقع أن يُعطى أولا أصحاب الفرائض ومن يزول فى حال من الحالات ويعطى الآخر ما بقى‏.‏

مثال ذلك‏:‏ لو توفيت امرأة وتركت زوجها وأمها وأختها لأبيها‏.‏

كان يبدأ بالزوج والأم فيعطى كل واحد منهما فريضته لأنهما لا يزولان من فرض إلا إلى فرض؛ لأن الزوج إذا زال عن النصف رجع إلى الربع، وإذا زالت الأم عن الثلث رجعت إلى السدس، والأخت تزول من فرض إلى غير فرض فلا تعطى فى بعض الأحوال شيئًا فكان هذا كما وصفنا‏.‏

وأما الآخرون فأشركوا بين أصحاب الفرائض كلهم وخاضوا بينهم‏.‏

وهو الذى أجمع عليه أهل العلم؛ لأن كل واحد منهم قد فرض له فريضة، فليس يجب أن يزيله عن فريضته إلا من يحجبه عنها، وليس يجب أن يزال عن فريضته بأنها تسقط فى موضع آخر وليس يجب أن تبدى أم ولا زوج عن أخت بأنها تسقط فريضتها فى موضع آخر؛ لأن لكل واحد حكمه على جهته فلما اجتمعت الأخت والزوج والأم فى هذا الموضع وقد سمى لكل واحد منهم فريضة ولم يشترط تبدية بعضهم على بعض ولا أن بعضهم يحجب بعضًا‏.‏

كان أولى الأمور أن يتحاصصوا ولو أن رجلا أوصى بنصف ماله لرجل وبنصف ماله لآخر وبثلث ماله لآخر فأجاز الورثة ذلك وجب أن يتحاصروا فى مال الميت فيضرب صاحب النصف بثلاثة أسهم، وصاحب النصف الآخر بثلاثة أسهم، وصاحب الثلث بسهمين، فإن لم يجز الورثة ذلك تحاصوا فى الثلث على هذه السهام‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفى حديث جابر دليل أنه لا يجوز لأحد أن يقضى بالاجتهاد فى مسألة ما دام يجد سبيلا إلى النصوص، وكيف وجه استعمالها، ولو جاز أن يجتهد فى محضر النبى صلى الله عليه وسلم دون أن يشاوره لما قال له‏:‏ كيف أصنع فى مالى، وكذلك لو جاز للنبى أن يجتهد رأيه فيما لم ينزل عليه فيه قرآن لأمره بما ظهر له، ولكن سكت عنه حتى يلقى الأمر من عند شارعه تعالى فهذا من أقوى شىء فى سؤال العلماء وترك الاجتهاد فى موضع يجب فيه الاقتداء بمن تقدم وبالأعلم فالأعلم‏.‏

باب تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ

وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ‏:‏ تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّانِّينَ، يَعْنِى الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ‏.‏

- فيه‏:‏ أَبو هُرَيْرَة، قَالَ‏:‏ قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ فهذا الظن الذى أراد عقبة ليس هو الاجتهاد على الأصول وإنما هو الظن المنهى عنه فى الكتاب والسنة مثل ما سبق إلى المسئول من غير أن يعلم أصل ما سئل عنه فى كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو أقوال أئمة الدين‏.‏

وأما إذا قال وهو قد علم الأصل من هذه الثلاثة فليس بظان وإنما هو مجتهد، والاجتهاد سائغ على الأصول‏.‏

باب قَوْلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ ‏(‏أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا إِلى أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَيْهِمَا مِنْ فَدَكَ، وَسَهْمَهُمَا مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏(‏لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ‏)‏، قَالَ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ وَاللَّهِ لا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُهُ، فِيهِ إِلا صَنَعْتُهُ، قَالَ‏:‏ فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ‏)‏‏.‏

وذكر الحديث بطوله‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبو هُرَيْرَة قال النبى، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يَقْسِم وَرَثَتِى دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِى وَمَئُونَةِ عَامِلِى، فَهُوَ صَدَقَةٌ‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا نورث ما تركنا صدقة‏)‏ هو فى معنى قوله‏:‏ ‏(‏إن آل محمد لا تحل لهم الصدقة‏)‏ ووجه ذلك والله أعلم أن لما بعثه الله إلى عباده، ووعده على التبليغ لدينه والصدع بأمره الجنة، وأمره ألا يأخذ منهم على ذلك أجرًا ولا شيئًا من متاع الدنيا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ما أسألكم عليه من أجر‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 57‏]‏ وكذلك سائر الرسل فى كتاب الله كلهم تقول‏:‏ لا أسألكم عليه مالا ولا أجرًا إن أجرى إلا على الله‏.‏

وهو الجنة‏.‏

أراد صلى الله عليه وسلم ألا يُنسب إليه من متاع الدنيا شىء يكون عند الناس فى معنى الأجر والثمن‏.‏

فلم يحل له شىء منها؛ لأن ما وصل إلى المرء وأهله فهو واصل إليه، فلذلك والله أعلم حرم الميراث على أهله لئلا يظن به أنه جمع المال لورثته، كما حرمهم الصدقات الجارية على يديه فى الدنيا لئلا يُنسب إلى ما تبرأ منه فى الدنيا، وفى هذا وجوب قطع الذريعة‏.‏

وقد روى ابن عيينة، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة أن الرسول قال‏:‏ ‏(‏إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة‏)‏‏.‏

فهذا عام فى جميع الأنبياء وظاهر هذا يعارض قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وورث سليمان داود‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 16‏]‏ قيل‏:‏ لا معارضة بينهما بحمد الله؛ لأن أهل التأويل قالوا‏:‏ ورث منه النبوة والعلم والحكمة‏.‏

وكذلك قالوا فى تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنى خفت الموالى من ورائى‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 5‏]‏ الآية فدعا زكريا الله أن يهب له ولدًا يرث النبوة والعلم؛ لأن ذلك إذا صار إلى ولده لحقه من الفضل أكثر مما يلحقه إذا صار ذلك لغير ولده لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده‏)‏ فرغب زكريا أن يرث علمه ولده الذى يخرج من صلبه، فيكون تقدير الآية على هذا‏:‏ وإنى خفت الموالى من ورائى هم بنو العم والعصبة، أن يصير إليهم العلم والحكمة من بعدى، ومصير ذلك إلى ولدى أحب إلىّ، فأضمر ذلك‏.‏

وقال أبو على الفسوى فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنى خفت الموالى من ورائى‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 5‏]‏ فإن الخوف لا يكون من الأعيان وإنما يكون مما يئول منها، فإذا قال القائل‏:‏ خفت الله وخفت الناس فالمعنى فى ذلك خفت عقاب الله ومؤاخذته، وخفت ملامة الناس، فكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خفت الموالى ‏(‏أى خفت بنى عمى فحذف المضاف والمعنى‏:‏ خفت تضييعهم الدين وكيدهم إياه، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين‏.‏

ويقوى ذلك ما روى عن الحسن البصرى أنه قال‏:‏ ‏(‏يرثنى ‏(‏يعنى‏:‏ يرث نبوتى‏.‏

وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة‏)‏، يدل على أن الذى سأل ربه أن يرث ولده النبوة لا المال، ولا يجوز على النبى صلى الله عليه وسلم أن يقول أخاف يرثنى بنو عمى وعصبتى ما فرض الله لهم من مالى، وكان الذى حملهم على ذلك ما شاهدوه من تبديلهم الدين وقتلهم الأنبياء، وقد تقدم سائر معانى هذه الأخبار فى كتاب الخمس‏.‏

باب قَوْلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مَنْ تَرَكَ مَالا فَلأهْلِهِ

- فيه‏:‏ أَبو هُرَيْرَة، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ‏)‏‏.‏

أجمعت الأمة أن من ترك مالا فهو لورثته، واختلفوا فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من مات وعليه دين فعلىّ قضاؤه‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ هذا إنما هو على الوعد من النبى صلى الله عليه وسلم لما كان وعده الله به من الفتوحات من ملك كسرى وقيصر، وليس على الضمان والحمالة بدليل تأخره عن الصلاة على من مات وعليه دين حتى ضمنه من حضره‏.‏

وقال غيره‏:‏ هذا الحديث ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين، وقوله‏:‏ ‏(‏فعلىَّ قضاؤه‏)‏ على الضمان اللازم، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب الكفالة‏.‏

باب مِيرَاثِ الْوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ‏:‏ إِذَا تَرَكَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ بِنْتًا فَلَهَا النِّصْفُ، وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ بُدِئَ بِمَنْ شَرِكَهُمْ، فَيُعْطَى فَرِيضَتَهُ، فَمَا بَقِىَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ‏.‏

- فيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِىَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ‏)‏‏.‏

أما قول زيد‏:‏ إذا ترك بنتًا فلها النصف فإجماع من العلماء، إلا من يقول بالرد‏.‏

وقوله‏:‏ وإن كانتا اثنتين أو أكثر‏.‏

فإجماع أيضًا إلا من يقول بالرد‏.‏

وقوله‏:‏ إن كان معهن ذكر‏.‏

يريد إن كان مع البنات ابن المتوفى ذكر أخ لهن، وكان معهم غيرهم ممن له فرض مسمى ولذلك قال شركهم ولم يقل شركهن؛ لأنه أراد الابن والبنات، مثال ذلك‏:‏ رجل توفى عن بنات وابن وزوج وأب أو جد إن لم يكن أبًا أو جده فإن هؤلاء يعطون فرائضهم؛ لأنه لا يحجب واحد منهم بالبنين، ويكون ما بقى بين البنات والابن للذكر مثل حظ الأنثيين، فهذا تفسير هذا الباب، وهو تأويل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ألحقوا الفرائض بأهلها‏)‏ أى أعطوا كل ذى فرض فرضه وما بقى فلمن لا فرض له؛ لأنهم عصبة والبنات مع أخيهن لا فرض لهن معه، وهن معه عصبة من أجله‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏فلأولى رجل ذكر‏)‏ يريد إذا كان فى الذكور من هو أولى من صاحبه بقرب أو ببطن، وأما إن استووا فى القعدد وأدلوا بالآباء والأمهات معًا كالإخوة وشبههم فلم يقصدوا بهذا الحديث؛ لأنه ليس فى البنين من هو أولى من غيره؛ لأنهم قد استووا فى المنزلة ولا يجوز أن يقال أولى وهم سواء فلم يرد البنين بهذا الحديث وإنما أريد غيرهم على ما يأتى إن شاء الله‏.‏

وقوله‏:‏ يبدأ بمن شركهم‏.‏

إنما يصح هذا إذا لم تضق الفريضة، وأما إذا ضاقت فلا يبدأ بأحدٍ قبل صاحبه؛ لأن العول يعمهم‏.‏

باب مِيرَاثِ الْبَنَاتِ

- فيه‏:‏ سَعْد، قَالَ‏:‏ مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضًا، أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَأَتَانِى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِى، فَقُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى مَالا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِى إِلا ابْنَتِى، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِى‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

- وفيه‏:‏ الأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ مُعَلِّمًا، وَأَمِيرًا، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّىَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ، فَأَعْطَى الابْنَةَ النِّصْفَ، وَالأخْتَ النِّصْفَ‏.‏

أجمع العلماء أن ميراث الابنة النصف لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كانت واحدة فلها النصف‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وأجمعوا أن للأخت النصف لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ فجعلها كالابنة‏.‏

فإن قيل‏:‏ إن الله تعالى نص على الأختين أن لهما الثلثين بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ ولم ينص على الابنتين، إنما ذكر أكثر من اثنتين‏.‏

قيل‏:‏ لما أعطى الله للابنة النصف وللأخت النصف، ونص على الأختين أن لهما الثلثين فاستغنى بذكر الأختين عن ذكر البنتين؛ لأنه لما كانت الواحدة كالبنت كانت البنتان كالأختين بل البنتان أحرى بذلك لقربهما، وأن البنات يقدمن على الأخوات فى مواضع شتى فاستحال أن تكون الأختان أكثر ميراثًا من البنتين‏.‏

وأما قول سعد‏:‏ إنه لا يرثنى إلا ابنة لى‏.‏

كأنه أراد أن يعطى من ماله ما فضل عن ميراث ابنته فأعلمه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لمعطٍ أن يعطى من ماله بعد موته أكثر من ثلثه كان له من يحيط بماله أم لا‏.‏

وهذه حجة لزيد بن ثابت فى قوله‏:‏ إن بيت المال عصبة من لا عصبة له‏.‏

وهو قول مالك والشافعى، وهو خلاف مذهب أهل الرد‏.‏

وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنك إن تذر ورثتك أغنياء‏)‏ بعد قول سعد‏:‏ إنه لا يرثنى إلا ابنة لى، فدل فحوى قوله أن سعدًا لا يموت حتى يكون له ورثة جماعة، وأنه لا يموت من علته تلك، فكان كما دل عليه فحوى خطابه صلى الله عليه وسلم ولم يمت سعد إلا عن بنين عدة، كلهم وُلِدَ بعد ذلك المرض، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم‏.‏

باب مِيرَاثِ ابْنِ الابْنِ، إِذَا لَمْ يَكُنِ لَهُ ابْنٌ

وَقَالَ زَيْدٌ‏:‏ وَلَدُ الأبْنَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ وَلَدٌ، ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ، وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ، يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ، وَيَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ، وَلا يَرِثُ وَلَدُ الابْنِ مَعَ الابْنِ‏.‏

- فيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ‏:‏ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِىَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ‏)‏‏.‏

قول زيد هذا إجماع، وأما قوله‏:‏ ‏(‏ألحقوا الفرائض بأهلها‏)‏ فإنه يريد إذا توفيت امرأة عن زوج وأب وبنت وابن ابن وبنت ابن فإن الفرائض هاهنا أن يبدأ الزوج بالربع، وللأب السدس، وللبنت النصف وما بقى فلابن الابن مع بنات الابن إن كن معه فى درجة واحدة أو كان أسفل منهن، فإن كن أسفل منه فالباقى له دونهن، وهذا قول مالك والشافعى وأكثر الفقهاء‏.‏

ومنهم من يقول‏:‏ الباقى لابن الابن دون بنات الابن وسواء كن معه فى قُعدد واحد أو أرفع منه لا شىء لهن لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فما بقى فلأولى رجل ذكر‏)‏ على ظاهر هذا الحديث‏.‏

وقيل‏:‏ يرد على من معه ولا يرد على من فوقه‏.‏

وأماحجة زيد ومن ذهب مذهبه ممن يقول لأولى رجل ذكر مع إخوته فظاهر قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ وأجمعوا أن بنى البنين عند عدم البنين إذا استووا فى القعدد ذكرهم كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم‏.‏

وكذلك إذا اختلفوا فى القعدد لا يضرهم؛ لأنهم كلهم بنو بنين يقع عليهم اسم أولاد، فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إلا ما أجمعوا عليه من الأعلى من بنى البنين الذكور يحجب من تحته من ذكر وأنثى‏.‏

باب مِيرَاثِ ابْنَةِ الابْنِ مَعَ الابنة

- فيه‏:‏ أَبُو مُوسَى أنه سُئِلَ عَنْ ابنة، وَابْنَةِ ابْنٍ، وَأُخْتٍ، فَقَالَ‏:‏ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلأخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِى، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِى مُوسَى، فَقَالَ‏:‏ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَقْضِى فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لِلابْنَةِ النِّصْفُ، وَلابْنَةِ الاْبَنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِىَ فَلِلأخْتِ، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى، فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ‏:‏ لا تَسْأَلُونِى مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ‏.‏

لا خلاف بين الفقهاء وأهل الفرائض فى ميراث ابنة الابن مع الابنة، فأبو موسى قد رجع إذ خُصم بالسنة‏.‏

وفيه‏:‏ أن العالم قد يقول فيما يسأل عنه وإن لم يحط بالسنن ولو لم يقل العالم حتى يحيط بالسنن ما تكلم أحد فى الفقه‏.‏

وفيه‏:‏ أن الحجة عند التنازع إلى سنة النبى صلى الله عليه وسلم وأنه ينبغى للعالم الانقياد إليها، وأن صاحبها حبر ألا ترى شهادة أبى موسى لابن مسعود لما خصمه بالسنة أنه حبر‏.‏

وفيه‏:‏ ما كانوا عليه من الإنصاف والاعتراف بالحق لأهله وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل‏.‏

باب مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الأبِ وَالإخْوَةِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ الْجَدُّ أَبٌ‏.‏

وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏(‏يَا بَنِى آدَمَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 26‏]‏،‏)‏ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 38‏]‏‏.‏

وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَحَدًا خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ فِى زَمَانِهِ، وَأَصْحَابُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ يَرِثُنِى ابْنُ ابْنِى دُونَ إِخْوَتِى، وَلا أَرِثُ أَنَا ابْنَ ابْنِى دُونَ إِخْوَتِهِ‏.‏

وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِىٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ أَقَاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ‏.‏

- فيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِىَ فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ‏:‏ ‏(‏أَمَّا الَّذِى قَالَ النبى، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ خَلِيلا لاتَّخَذْتُهُ، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإسْلامِ أَفْضَلُ‏)‏، أَوْ قَالَ‏:‏ ‏(‏خَيْرٌ‏)‏، فَإِنَّهُ أَنْزَلَهُ أَبًا، أَوْ قَضَاهُ أَبًا‏)‏‏.‏

أجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب، وأن الأب يحجبُ أباه، واختلفوا فى ميراث الجد مع الإخوة للأب والأم أو للأب، فكان أبو بكر الصديق وابن عباس وابن الزبير وعائشة ومُعاذ ابن جبل وأبى بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة يقولون‏:‏ الجد أب عند عدم الأب كالأب سواء يحجبون به الإخوة كلهم، ولا يورثون مع الجد أحدًا من الإخوة شيئًا، وقاله عطاء وطاوس والحسن وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق‏.‏

وذهب على بن أبى طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الإخوة مع الجد إلا أنهم اختلفوا فى كيفية ميراثهم معه كان معهم ذو فرض مسمى أم لا‏.‏

فذهب زيد إلى أنه لا ينقص الجد مع الثلث مع الإخوة للأب والأم أو للأب إلا مع ذوى الفروض، فإنه لا ينقصه معهم من السدس شيئًا، وهذا قول مالك والثورى والأوزاعى وأبى يوسف ومحمد والشافعى‏.‏

وقد روى عن ابن مسعود مثل قول على، وكان على يشرك بين الجد والإخوة ولا ينقصه من السدس شيئًا مع ذوى الفروض وغيرهم وهو قول ابن أبى ليلى وطائفة‏.‏

واختلف عن ابن مسعود فروى عنه مثل قول زيد‏.‏

والحجة لقول الصديق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ملة أبيكم إبراهيم‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 78‏]‏ فسماه أبًا وهو الجد، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 38‏]‏ فسماهما آباء وهم جدود له‏.‏

وقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا ابن عبد المطلب‏)‏ وإنما هو ابن ابنه، وأجمع العلماء أن حكم الجد حكم الأب فى غير موضع، من ذلك إجماعهم أن الجد يحجب الإخوة من الأم كما حجبهم الأب‏.‏

فالقياس أن يحجب الإخوة للأب والأم إذا كان أبًا كما حجب الإخوة للأم‏.‏

وأجمعوا أن الجد يضرب مع أصحاب الفرائض بالسدس كما يضرب الأب، وإن عالت الفريضة، وللأب مع ابن الابن السدس، وكذلك للجد معه مثل ما للأب‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ ومن المحال أن يكون له ولد ولا يكون له والدًا‏.‏

واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وما بقى فهو لأولى رجل ذكر‏)‏ لأن رجلا لو توفى وترك بنتًا أو ابنتين وجَدا وإخوة فألحقنا البنت أو البنتين بفرائضهن وكان ما بقى للجد وهو أولى رجل ذكر بقى‏.‏

واحتج من ورَّث الأخ مع الجد بهذا الحديث، وأيضًا فقالوا‏:‏ الأخ أولى؛ لأنه أقرب إلى الميت بدليل أنه ينفرد بالولاء لقربه، وأيضًا فإن الأخ يقول أنا أقوى من الجد؛ لأنى أقوم مقام الولد فى حجب الأم من الثلث إلى السدس، وليس كذلك الجد فوجب ألا يحجبنى كما لا يحجب الولد، والجد إنما يُدلى بالميت وهو أبو أبيه، والأخ يدلى بالميت وهو ابن أبيه، والابن من جهة المواريث أقوى من الأب؛ لأن الابن ينفرد بالمال ويرده إلى السدس، والأب لا يفعل ذلك بالابن، فكان من أدلى بالأقوى أولى ممن أدلى بالأضعف‏.‏

باب مِيرَاثِ الزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ

- فيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ‏:‏ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ هذا إجماع لا خلاف فيه أن للزوج إذا لم يكن للزوجة ولد منه ولا من غيره النصف، فإن كان لها ولد منه أو من غيره فالربع فرضه لا ينقص منه، وكذلك ميراث الزوجة من زوجها إذا لم يكن له ولد منها أو من غيرها الربع، فإن كان له ولد فلها الثمن‏.‏

باب مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَة، قَالَ‏:‏ قَضَى النَّبِى صلى الله عليه وسلم فِى جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِى قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ، تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا‏.‏

قال المؤلف‏:‏ ليس فيه أكثر من أن الزوج يرث مع البنين وأن البنين يرثون مع الزوج وهذا لا خلاف فيه، وليس فيه مقدار ميراث الزوج والمرأة مع الولد وذلك معلوم بنص القرآن فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكم نصف ما ترك أزواجكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏ الآية‏.‏

باب مِيرَاثُ الأخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ

- فيه‏:‏ الأسْوَدِ، قَالَ‏:‏ قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالنِّصْفِ لِلابْنَةِ وَالنِّصْفُ لِلأخْتِ‏.‏

ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ‏:‏ قَضَى فِينَا، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏.‏

- وفيه‏:‏ عَبْدُاللَّهِ، قَالَ‏:‏ لأقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏للابْنَةِ النِّصْفُ، وَلابْنَةِ الابْنِ السُّدُسُ، وَمَا بَقِىَ فَلِلأخْتِ‏)‏‏.‏

وفى حديث ابن مسعود بيان ما عليه جماعة العلماء إلا ما شذ فى أن الأخوات عصبة للبنات يرثون ما فضل عن البنات‏.‏

مثال ذلك‏:‏ رجل توفى عن ابنة وأخت فللابنة النصف، وللأخت ما بقى، وكذلك إن توفى عن بنتين كان لهما الثلثان وللأخت الثلث الباقى، وكذلك إن توفى عن بنت وبنت ابن وأخت، كان للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين؛ إذ لا يرث البنات وإن كثرن أكثر من الثلثين، وللأخت أو الأخوات وإن كثرن مابقى بعد البنات‏.‏

هذا قول جماعة الصحابة غير ابن عباس فإنه كان يقول‏:‏ إن للابنة النصف وليس للأخت شىء وما بقى فهو للعصبة، وكذلك ليس للأخت شىء مع البنت وبنت الابن، وما فضل عن البنت وبنت الابن لم يكن للأخت وكان للعصبة عند ابن عباس وإن لم يكن عصبة رد الفضل على البنت أو البنات، ولم يوافق ابن عباس أحد على مذهبه فى هذا الباب إلا أهل الظاهر فإنهم احتجوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ فلم يورث الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد‏.‏

قالوا‏:‏ ومعلوم أن الابنة مع الولد فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها كما لا ترث مع وجود الابن‏.‏

وحجة الجماعة السنة الثابتة من حديث ابن مسعود، ولا مدخل للنظر مع وجود الخبر، فكيف وجماعة الصحابة يقولون بحديث ابن مسعود ولا حجة لأحد خالف السنة‏.‏

وحجة الجماعة من جهة النظر أن شرط عدم الولد فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ إنما يجعل شرطًا فى فرضها الذى تقاسم به الورثة ولم يجعل فرضا فى توريثها، فإذا عدم الشرط سقط الفرض ولم يمنع ذلك أن ترث بمعنى آخر كما شرط فى ميراث الأخ لأخته عندعدم الولد لقوله‏:‏ ‏(‏وهو يرثها إن لم يكن لها ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ جعل ذلك شرطًا فى ميراث الأخ لما جعله شرطًا فى ميراث الأخت‏.‏

وقد أجمعت الجماعة أن الأخ يرثها مع البنت وإن كان الشرط معدومًا كما شرط فى ميراث الزوج النصف إذا لم يكن لها ولد ولم يمنع ذلك أن يأخذ النصف مع البنت بالفرض والنصف بالتعصيب إن كان عصبة لامرأته‏.‏

باب مِيرَاثِ الإخْوَةِ والأخَوَاتِ

- فيه‏:‏ جَابِر، دَخَلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَلَىَّ وَأَنَا مَرِيضٌ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ نَضَحَ عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا لِى أَخَوَاتٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ‏.‏

ليس فى هذا الحديث أكثر من أن الأخوات يرثن‏.‏

وأجمع العلماء أن الإخوة والأخوات من الأب والأم أو من الأب ذكورًا كانوا أو إناثًا لا يرثون مع ابن ولا مع ابن ابن وإن سفل ولا مع الأب‏.‏

واختلفوا فى ميراث الأخوات مع الجد على ما ذكرناه فى باب ميراث الجد من اختلافهم فى ميراث الإخوة مع الجد‏.‏

فمن ورثهن مع الجد جعل الجد أخًا وأعطاه مثل ما أعطى الأختين ومن لم يورثهن معه وجعله أبًا حجبهن به‏.‏

وهو مذهب الصديق وابن عباس وجماعة، ويرثن فيما عدا الجد والأب والابن للواحدة النصف وللاثنتين فصاعدًا الثلثان إلا فى المشتركة وهى امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها فلزوجها النصف ولأمها السدس ولإخواتها لأمها الثلث فلم يفضل شىء، فشرك بنو الأب والأم مع بنى الأم فى الثلث‏)‏ للذكر مثل حظ الأنثيين ‏(‏من أجل أنهم كلهم إخوة المتوفى لأمه، وإنما ورثوا بالأم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏ فلذلك شركوا فى هذه الفريضة‏.‏

وقد اختلفت الصحابة فى هذه المسألة فروى عن عمر وعثمان وزيد أنهم قالوا بالتشريك وهو قول مالك والثورى والشافعى وإسحاق‏.‏

وروى عن على وأبى بن كعب وابن مسعود وأبى موسى الأشعرى أنهم لا يشركون الأخ للأب والأم مع الإخوة للأم؛ لأنه عصبة وقد اغترقت الفرائض المال ولم يبق منه شىء وإلى هذا ذهب ابن أبى ليلى وطائفة من الكوفيين‏.‏

باب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلالَةِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ إلى آخر السورة

- فيه‏:‏ الْبَرَاءِ، آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ‏:‏ ‏(‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلالَةِ‏}‏‏.‏

اختلف العلماء فى معنى الكلالة، فقالت طائفة‏:‏ هى من لا ولد له ولا والد، وهذا قول أبى بكر الصديق، وعمر، وعلى، وزيد، وابن مسعود، وابن عباس، وعليه أكثر التابعين وهو قول الفقهاء بالحجاز والعراق‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ الكلالة من لا ولد له خاصة، روى هذا عن ابن عباس‏.‏

وقال آخرون‏:‏ الكلالة ما خلا الوالد رواه شعبة عن الحكم بن عتبة‏.‏

وقال آخرون‏:‏ الكلالة الميت بعينه سمى بذلك إذا ورثه غير والده وولده‏.‏

وقال آخرون‏:‏ الكلالة الذين يرثون الميت إذا لم يكن فيهم والد ولا ولد‏.‏

وقال آخرون‏:‏ الكلالة الحى والميت جميعًا‏.‏

عن ابن زيد‏.‏

واختار الطبرى أنها ورثة الميت دون الميت، واحتج بحديث جابر أنه قال‏:‏ ‏(‏يا رسول الله، إنما يرثنى كلالة فكيف بالميراث‏؟‏‏)‏ وبحديث سعد أنه قال‏:‏ ‏(‏يا رسول الله‏:‏ ليس لى وارث إلا كلالة أفأوصى بمالى كله‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏)‏‏.‏

وأجمع العلماء أن الإخوة المذكورين فى هذه الآية فى الكلالة هم الإخوة للأب والأم أو للأب عند عدم الذين للأب والأم لإعطائهم فيها الأخت النصف وللأختين فصاعدًا الثلثين وللإخوة الرجال والنساء للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه لا خلاف أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا وأنهم شركاء فى الثلث الذكر والأنثى فيه سواء‏.‏

وإجماعهم فى الكلالة التى فى أول السورة أن الإخوة فيها للأم خاصة؛ لأن فريضة كل واحد منهما السدس، ولا خلاف أن ميراث الإخوة للأب والأم ليس كذلك‏.‏

باب ابْنَىْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأمِّ وَالآخَرُ زَوْجٌ

قَالَ عَلِىٌّ‏:‏ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأخِ مِنَ الأمِّ السُّدُسُ، وَمَا بَقِىَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ‏.‏

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَة، قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالا، فَمَالُهُ لِمَوَالِى الْعَصَبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلا أَوْ ضَيَاعًا، فَأَنَا وَلِيُّهُ، فَلأدْعَى لَهُ‏)‏ الْكَلُّ‏:‏ الْعِيَالُ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ، فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ‏)‏‏.‏

مثال هذه المسألة امرأة لها ابنا عم أحدهما أخوها لأمها والثانى زوجها‏.‏

اختلف العلماء فيها كقول على بن أبى طالب زيد بن ثابت وهو قول المدنيين والثورى وأحمد وإسحاق‏.‏

وقال عمر وابن مسعود‏:‏ جميع المال للذى جمع القرابتين لأنهما قالا فى ابنى عم أحدهما أخ أم أن الأخ للأم أحق بالمال له السدس بالفرض وباقى المال بالتعصيب، وهو قول الحسن البصرى وإليه ذهب أبو ثور وأهل الظاهر، واحتجوا بالإجماع فى أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب أن المال للأخ للأب والأم؛ لأنه أقرب بأم فكذلك ابنا عم إذا كان أحدهما أخا لأم فالمال له قياسًا على ما أجمعوا عليه من الأخوين‏.‏

عن ابن المنذر‏.‏

وحجة أهل المقالة الأولى أن أحدهما ينفرد بكونه أخًا لأم فوجب أن يأخذ نصيبه ثم يساوى بينه وبين من يشاركه فى قرابته ويساويه فى درجته‏.‏

وإلى هذا ذهب البخارى واستدل عليه بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فماله لموالى العصبة‏)‏ وهم بنو العم‏.‏

وكذلك قال أهل التأويل فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنى خفت الموالى من ورائى‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 5‏]‏ أنهم بنو العم فسوى بينهم صلى الله عليه وسلم فى الميراث ولم يجعل بعضهم أولى من بعض، وكذلك قوله‏:‏ ‏(‏ألحقوا الفرائض بأهلها‏)‏ أى أعطوا الزوج فريضته ‏(‏وما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر‏)‏‏.‏

ولما لم يكن الزوج أولى من ابن عمه الذى هو أخ الأم أو هو فى قعدده اقتسما ما بقى؛ لأنه ليس بأولى منه فينفرد بالمال‏.‏

فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجل ذكر‏)‏ فهو دليلنا والباقى بعد السدس قد استوى بعصبتهما فيه إذ وجد فى كل واحد منهما الذكورية والتعصيب، وقد أجمعوا فى ثلاثة إخوة للأم أحدهم ابن عم أن للثلاثة الإخوة الثلث، والباقى لابن العم ومعلوم أن ابن العم قد اجتمعت فيه القرابتان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فللأدعى له‏)‏ إعرابها‏:‏ فللأدع له؛ لأنها لام الأمر والأغلب من أمرها إذا اتصل بها واو أو فاء الإسكان، ويجوز كسرها وهو الأصل فى لام الأمر أن تكون مكسورة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 29‏]‏ بكسر اللام وإسكانها وثبات الألف بعد العين فى موضع الجزم والوقف يجوز تشبيهًا لها بالياء والواو أحدهما كما قال‏:‏ ألم يأتيك والأنباء تنمى وكما قال‏:‏ لم يهجو ولم يدع وقال فى الألف‏:‏ إذا العجوز عضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق وكما قال‏:‏ وتضحك منى شيخة عبشمية كأن لم تر قبلى أسيرًا يمانيًا وكان القياس ترضها، ولم يرو معنى قوله ‏(‏فلأدع‏)‏ له أى فادعونى له حتى أقوم بكلِّه وضياعه‏.‏

باب ذَوِى الأرْحَامِ

- فيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏(‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مما ترك الوالدن والأقربون وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 33‏]‏ قَالَ‏:‏ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الأنْصَارِىُّ الْمُهَاجِرِىَّ دُونَ ذَوِى رَحِمِهِ؛ لِلأخُوَّةِ الَّتِى آخَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ‏:‏ ‏(‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ‏(‏، قَالَ نَسَخَتْهَا‏:‏ ‏(‏وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ‏}‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ هكذا وقع فى جميع النسخ فلما نزلت‏:‏ ‏(‏ولكل جعلنا موالى ‏(‏نسختها‏)‏ والذين عاقدت أيمانكم ‏(‏والصواب أن المنسوخة‏)‏ والذين عاقدت أيمانكم ‏(‏وقد بين ذلك الطبرى فى روايته‏.‏

قال‏:‏ حدثنا أبو أسامة، قال‏:‏ حدثنا إدريس بن زيد، قال‏:‏ حدثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ‏(‏قال‏:‏ كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصارى المهاجرى دون ذوى رحمه للأخوة التى آخاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت هذه الآية‏)‏ ولكل جعلنا موالى ‏(‏نسخت‏.‏

فدلت هذه الرواية أن الآية الناسخة‏)‏ ولكل جعلنا موالى ‏(‏والمنسوخة‏)‏ والذين عاقدت أيمانكم‏}‏‏.‏

وروى عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله‏:‏ ‏(‏والذين عاقدت أيمانكم ‏(‏قوله تعالى فى الأنفال‏:‏ ‏(‏وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏ روى هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصرى وهو الذى أثبت أبو عبيد فى كتاب الناسخ والمنسوخ‏.‏

وفيها قول آخر روى الزهرى، عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ أمر الله الذين تبنوا غير أبنائهم فى الجاهلية وورثهم فى الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبًا فى الوصية ورد الميراث إلى ذووى الرحم والعصبة‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏والذين عاقدت أيمانكم ‏(‏محكمة وليست منسوخة، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطى الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث، ذكره الطبرى عن ابن عباس‏)‏ والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ‏(‏من النصر والنصيحة والرفادة ويوصى لهم وقد ذهب الميراث وهو قول مجاهد والسدى‏.‏

وقد اختلف السلف ومن بعدهم فى توريث ذوى الأرحام وهم من لا سهم له فى الكتاب والسنة من قرابة الميت، وليس بعصبة كأولاد البنات وأولاد الأخوات، وأولاد الإخوة للأم، وبنات الأخ، والعمة، والخالة، وعمة الأب، والعم أخى الأب لأمه، والجد أبى الأم، والجدة أم أبى الأم، ومن أدلى بهم‏.‏

فقالت طائفة‏:‏ إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله لموالى العتاقة الذين أعتقوه، فإن لم يكن موالى عتاقه فماله لبيت مال المسلمين ولا يرث من لا فرض له من ذوى الأرحام، روى هذا عن أبى بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر، ورواية عن على وهو قول أهل المدينة والزهرى وأبى الزناد وربيعة ومالك، وروى عن مكحول والأوزاعى وبه قال الشافعى‏.‏

وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وأبو الدرداء يورثون ذوى الأرحام ولا يعطون الولاء مع الرحم شيئًا‏.‏

واختلف فى ذلك عن على، وبتوريث ذوى الأرحام قال ابن أبى ليلى والنخعى وعطاء وجماعة من التابعين، وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق‏.‏

واحتجوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏ وقالوا‏:‏ قد اجتمع فى ذوى الأرحام سببان‏:‏ القرابة والإسلام فهو أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام، وقاسوا ابنة الابن على الجدة التى وردت فيها السنة؛ لأن كل واحد يدلى بأبى وارثة‏.‏

وحجة من لم يورث ذوى الأرحام أن الله قد نسخ الموارثة بالحلف والمؤاخاة والهجرة بقوله‏:‏ ‏(‏وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏‏.‏

وإنما عنى بهذه الآية من ذوى الأرحام من ذكرهم فى كتابه من أهل الفرائض المسماة لا جميع ذوى الأرحام؛ لأن هذه الآية مجملة جامعة، والظاهر لكل ذى رحم قرب أم بعد، وآيات المواريث مفسرة والمفسر قاض على المجمل ومبين له فلا يرث من ذوى الأرحام إلا من ذكر الله فى آيات المواريث‏.‏

قالوا‏:‏ وقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم الولاء نسبًا ثابتًا أقام الولاء مقام العصبة فقال‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعتق‏)‏ ونهى عن بيع الولاء وهبته‏.‏

وأجمعت الأمة أن الولى المعتق يعقل عن مولاهُ الجنايات التى تحملها العاقلة فأقاموه مقام العصبة، فثبت بذلك أن لحكم المولى حكم ابن العم والرجل من العشيرة فكان أحق بالميراث من ذوى الأرحام الذين ليسوا بعصبة ولا أصحاب فرائض؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من ترك مالا فلعصبته‏)‏‏.‏

وأجمعوا أن ما فضل من المال عن أصحاب الفرائض فهو للعصبة وأن من لا سهم له فى كتاب الله من ذوى الأرحام لا ميراث له مع العصبة، ثم حكموا للمولى بحكم العصبة فثبت بذلك أن ما فضل أصحابه عن الفرائض يكون له؛ لأنه عصبة‏.‏

وأجمعت الأمة أن الميت إذا ترك مولاه الذى أعتقه ولم يخلف ذا رحم أن الميراث له فأقاموه مقام العصبة فصار هذا أصلا متفقًا عليه‏.‏

واختلفوا فى توريث من لا سهم له فى كتاب الله وليس بعصبة من ذوى الأرحام فيكتفى بما أجمع عليه أولى مما اختلف فيه‏.‏

عن ابن المنذر‏.‏

باب مِيرَاثِ الْمُلاعَنَةِ

- فيه‏:‏ ابْنِ عُمَر‏:‏ أَنَّ رَجُلا لاعَنَ امْرَأَتَهُ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ لما ألحق النبى صلى الله عليه وسلم ابن الملاعنة بأمه ونفاه عن أبيه ثبت ألا عصبة له ولا وارث من قبل أبيه‏.‏

قال غيره‏:‏ فإذا توفى ابن الملاعنة فلا يرثه إلا أمه وإخوته لأمه خاصة، فإن فضل من المال شىء كان لموالى أمه إن كانت معتقة لقوم، وكذلك لو كانت وحدها أخذت الثلث وما بقى لمواليها ولا يكون لبيت المال شىء، وإن كانت عربية فالفاضل لبيت مال المسلمين، هذا قول زيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب والزهرى ومالك والأوزاعى والشافعى وأبو ثور‏.‏

وروى عن على وابن مسعود أن ما بقى يكون لعصبة أمه إذا لم يخلف ذا رحم له سهم، فإن خلف ذا رحم له سهم جعل فاضل المال ردا عليه‏.‏

وحكى أيضًا عن على أنه ورث ذوى الأرحام برحمهم ولا شىء لبيت المال، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، ومن قال سهمهم بالرد يرد الباقى على أمه‏.‏

وجعل ابن مسعود عصبته أمه فإن لم تكن الأم فعصبتها هم عصبة ولدها، وإليه ذهب الثورى‏.‏

وهذا الاختلاف إنما قام من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وألحق الولد بالمرأة‏)‏ لأنه لما ألحقه بها قطع نسبه من أبيه فصار كمن لا أب له من أولاد العى الذين لم يختلف أن المسلمين عصبتهم إذ لا تكون العصبة من قبل الأم، وإنما تكون من قبل الأب‏.‏

ومن قال معنى قوله‏:‏ ‏(‏ألحق الولد بالمرأة‏)‏ أى أقامها مقام أبيه فهؤلاء جعلوا عصبة أمه عصبة له وهو قول الثورى وأحمد بن حنبل‏.‏

واحتجوا بالحديث الذى جاء أن الملاعنة بمنزلة أبيه وأمه، وليس فيه حجة؛ لأنها إنما هى بمنزلة أبيه وأمه فى تأديبه وما أشبه ذلك مما يتولاه أبوه فأما الميراث فلا؛ لأنهم أجمعوا أن ابن الملاعنة لو ترك أمه وأباه كان لأمه السدس ولأبيه ما بقى‏.‏

فلو كانت بمنزلة أبيه وأمه فى الميراث لورثت سدسين سدسًا بالأبوة وسدسًا بالأمومة‏.‏

وأبو حنيفة جعل الأم كالأب فرد عليها ما بقى؛ لأنها أقرب الأرحام إليه، وقول أهل المدينة أولى بالصواب؛ لأنه معلوم أن العصبات من قبل الآباء ومن أدلى بمن لا تعصيب له لم يكن له تعصيب‏.‏

باب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً

- فيه‏:‏ عَائِشَة، ‏(‏كَانَ عُتْبَةُ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ بْنِ أَبى وَقَاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّى، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ‏:‏ ابْنُ أَخِى، عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ‏:‏ أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ سَعْدٌ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِى، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ‏:‏ أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ‏:‏ احْتَجِبِى مِنْهُ، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ‏)‏‏.‏

عند جمهور العلماء أن الحرة تكون فراشًا بإمكان الوطء ويلحق الولد فى مدة تلد فى مثلها وأقل ذلك ستة أشهر‏.‏

وشذ أبو حنيفة فقال‏:‏ إذا طلقها عقيب النكاح من غير إمكان وطء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد لحق به، واحتج أصحابه بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الولد للفراش‏)‏ وقالوا‏:‏ هذا الاسم كناية عن الزوج‏.‏

وقال جرير‏:‏

باتت تعانقه وبات فراشها *** حلق العباءة فى الدماء قتيلا

يعنى زوجها هكذا أنشده أبو على الفارسى، فإذا كان الفراش الزوج، فإنه يقتضى إذا تزوج امرأة وجاءت بولد لستة أشهر أن نسب الولد يثبت ولا معتبر بإمكان الوطء وإنما المعتبر وجود الفراش‏.‏

والحجة للجمهور أن الفراش وإن كان يقع على الزوج فإنه يقع على الزوجة أيضًا؛ لأن كل واحد منهما فراش صاحبه حكى ابن الأعرابى أن الفراش عند العرب يعبر به عن الزوج وعن المرأة، وهى الفراش المعروف، فمن ادعى أن المراد به الرجل دون المرأة فعليه الدليل‏.‏

والفراش فى هذا الحديث إنما هو كناية عن حالة الافتراش والمرأة مشبهة بالفراش؛ لأنها تفترش، فكأن النبى صلى الله عليه وسلم أعلمنا أن الولد لهذه الحال التى فيها الافتراش فمتى لم يمكن حصول هذه الحال لم يلحق الولد، فمعنى قوله‏:‏ ‏(‏الولد للفراش‏)‏ أى لصاحب الفراش‏.‏

وما ذهب إليه أبو حنيفة خلاف ما أجرى الله به العادة من أن الولد إنما يكون من ماء الرجل وماء المرأة، كما أجرى الله تعالى العادة أن المرأة لا تحمل وتضع فى أقل من ستة أشهر فمتى وضعته لأقل من ستة أشهر لم يلحق به؛ لأنها وضعته لمدة لا يمكن أن يكون فى مثلها، وأما الأمة عند مالك والشافعى فإنها تصير فراشًا لسيدها بوطئه لها أو بإقراره بوطئها وبهذا حكم عمر بن الخطاب وهو قول ابن عمر، فمتى أتت بولد لستة أشهر من يوم وطئها ثبت نسبه منه، وصارت به أم ولد له وله أن ينفيه إذا ادعى الاستبراء ولا تكون فراشًا بنفس الملك دون الوطء عند مالك والشافعى‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ لا تكون فراشًا بالوطء ولا بالإقرار بالوطء أصلا فلو وطئها مائة سنة وأقر بوطئها فأتت بولد لم يلحقه وكان مملوكًا له وأمة مملوكة، وإنما يلحقه ولدها إذا أقر به وله أن ينفيه بمجرد قوله ولا يحتاج أن تدعى الاستبراء‏.‏

وذكر الطحاوى عن ابن عباس أنه كان يطأ جارية له فحملت فقال‏:‏ ليس الولد منى إنى أتيتها إتيانًا لا أريد به الولد، وعن زيد بن ثابت مثله‏.‏

وقولهم خلاف لحديث ابن وليدة زمعة؛ لأن ابن زمعة قال‏:‏ هذا أخى ولد على فراش أبى فأقره النبى صلى الله عليه وسلم ولم يقل الأمة لا تكون فراشًا ثم قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الولد للفراش‏)‏، وهذا خطاب خرج على هذا السبب، وقد تقدم أن الفراش كالوطء، قد حصل فى الأمة فوجب أن يلحق به الولد، وأيضًا فإن العاهر لما حصل له الحجر دل على أن غير العاهر بخلافه، وأن النسب له، ألا تراه فى الموضع الذى يكون عاهرًا تستوى فيه الحرة والأمة فوجب أن يستوى حالهما فى الموضع الذى يكون ليس بعاهر‏.‏

ومن أطرف شىء أنهم يجعلون نفس العقد فى الحرة فراشًا ولم يرد به خبر، ولا يجعلون الوطء فى الإماء فراشًا وفيه ورد الخبر، فيشكون فى الأصل ويقطعون على الفرع‏.‏

باب الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ

وَقَالَ عُمَرُ‏:‏ اللَّقِيطُ حُرٌّ‏.‏

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتِ‏:‏ ‏(‏اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ اشْتَرِيهَا، فَإِنَّ الْوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ‏.‏

قَالَ الْحَكَمُ‏:‏ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، وَقَوْلُ الْحَكَمِ مُرْسَلٌ‏.‏

وقال ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ رَأَيْتُهُ عَبْدًا‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَر، قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ‏)‏‏.‏

ذهب مالك والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد وأبو ثور إلى أن اللقيط حر وولاؤه لجماعة المسلمين‏.‏

وفيها قول آخر روى عن عمر بن الخطاب أن ولاءه للذى التقطه، وعن شريح مثله، وبه قال إسحاق بن راهويه‏.‏

وفيها قول آخر روى عن على بن أبى طالب أن المنبوذ حر فإن أحب أن يوالى الذى التقطه والاه وإن أحب أن يوالى غيره والاه‏.‏

وبهذا قال عطاء وابن شهاب، وقال أبو حنيفة‏:‏ له أن ينتقل بولائه حيث شاء لمن يعقل عنه الذى والاه جناية فإن عقل عنه لم يكن له أن ينتقل بولائه عنه ويرثه‏.‏

واحتج إسحاق بحديث سفيان أبى جميلة عن عمر أنه قال له فى المنبوذ‏:‏ اذهب فهو حر ولك ولاؤه‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ أبو جميلة مجهول لا يعرف له خبر غير هذا الحديث‏.‏

وحمل أهل المقالة الأولى قول عمر ‏(‏لك ولاؤه‏)‏ أى أنت الذى تتولى تربيته والقيام بأمره وهذه ولاية الإسلام لا ولاية العتق‏.‏

واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعتق‏)‏ وهذا ينفى أن يكون الولاء للملتقط؛ لأن أصل الناس الحرية، وليس يخلو اللقيط من أحد أمرين إما أن يكون حرا فلا رق عليه أو يكون ابن أمة قوم فليس لمن التقطه أن يسترقه وبهذا كتب عمر بن عبد العزيز‏.‏

وقد نزل الله آية المواريث وسمَّى الوارثين، فدل أنه لا وارث غير من ذكر الله فى كتابه، ولو كانت الموالاة مما يتوارث بها وجب إذا ثبتت ألا يجوز نقلها إلى غير من ثبتت له؛ فلما قالوا إنه إذا والى غيره قبل أن يعقل عنه ثم والى غيره وعقل عنه كان للذى عقل عنه؛ علم أن الموالاة لا يجوز أن يتوارث بها‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل‏)‏‏.‏

باب مِيرَاثِ السَّائِبَةِ

- فيه‏:‏ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ‏:‏ إِنَّ أَهْلَ الإسْلامِ لا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَت‏:‏ قَالَ لِى النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ‏)‏ فى قصة بريرة‏.‏

قَالت‏:‏ وَخُيِّرَتْ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ‏:‏ لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ مَعَهُ‏.‏

وقال الأسْوَدُ‏:‏ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، قَوْلُ الأسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ رَأَيْتُهُ عَبْدًا أَصَحُّ‏.‏

اختلف العلماء فى ميراث السائبة، فقال الكوفيون والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور‏:‏ ولاء السائبة لمعتقه واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعتق‏)‏ فالمعتق داخل فى عموم الحديث وغير خارج منه‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ ميراث السائبة للمسلمين روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وروى عن عمر بن عبد العزيز وربيعة وأبى الزناد وهو قول مالك قال‏:‏ ميراثه للمسلمين وعقله عليهم‏.‏

والحجة لهذه المقالة أنه إذ قال‏:‏ أنت حر سائبة فكأنه قد أعتقه عن المسلمين فكان ولاؤه لهم، وهو بمنزلة الوكيل إذا أعتق عن موكله فالولاء له دون الوكيل، وقد ثبت أن الولاء يثبت للإنسان من غير اختياره‏.‏

واحتج الكوفيون فقالوا‏:‏ إذا قال لعبده‏:‏ أنت سائبة لا ملك لى عليك أو أنت حر سائبة أن هذا كله لا يزيل عنه الولاء؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وهبته، فالهبة لذلك باطلة وبهذا قال ابن نافع وخالف مالكًا فيه‏.‏

باب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ

- فيه‏:‏ عَلِىّ، قَالَ‏:‏ مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلا كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ‏:‏ فَأَخْرَجَهَا، فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الإبِلِ، الحديث، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ، لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْنِ عُمَرَ، نَهَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ‏.‏

فى نهيه عن بيع الولاء وعن هبته دليل أنه لا يجوز للمولى التبرؤ من ولاء مواليه، وأن تبرأ منه وأنكره كمن باعه أو وهبه فى الإثم‏.‏

فإن قال قائل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من والى قومًا بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله‏)‏ يدل أنه لا يجوز أن يولى قومًا بإذن مواليه‏.‏

وبه قال عطاء بن أبى رباح، قال‏:‏ إن أذن الرجل لمولاه أن يوالى من شاء جاز ذلك استدلالا بهذا الحديث‏.‏

ذكره عبد الرزاق، وهذا يوافق ما روى عن ميمونة بنت الحارث أنها وهبت ولاء مواليها للعباس وولاؤهم اليوم له‏.‏

وقد ذكرنا ذلك فى باب بيع الولاء وهبته وفى باب بيع المدبر‏.‏

قيل‏:‏ جماعة الفقهاء لا يجيزون قول عطاء ولا ما روى عن ميمونة وقد احتج مالك فى منع ذلك‏.‏

قيل له‏:‏ الرجل يبتاع نفسه من سيده على أنه يوالى من شاء‏.‏

قال‏:‏ لا يجوز ذلك؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعتق‏)‏ ونهى عن بيع الولاء وهبته، فإذا جاز لسيده أن يشترط ذلك له فإن يأذن له أن يوالى من شاء، فتلك الهبة التى نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنها‏.‏

رواه ابن وهب‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ فما تأويل حديث علىّ على هذا القول‏؟‏ نقول‏:‏ قيل‏:‏ يحتمل أن يكون منسوخًا بنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته، ويحتمل ألا يكون منسوخًا ويكون تأويله كتأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 31‏]‏ دل ظاهر هذا الخطاب أن النهى عن قتل الأولاد لما اقترن بخشية الإملاق كان قتلهم مباحًا إذا لم يخشى الإملاق، وأجمعت الأمة على أن النهى عن قتلهم عام فى كل حال وإن لم يخش إملاق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏ ودل ظاهر هذا الخطاب أن شرط التحريم فى الربائب لما اقترن بكونهن فى الحجر دل على زوال تحريمهن إذا لم يكن فى الحجر، وأجمع أئمة الأمصار على أن الربيبة حرام على زوج أمها وإن لم تكن فى حجره فلما لم يكن الحجر شرطًا فى التحريم، ولا ارتفاع خشية الإملاق مبيحة لقتل الأولاد؛ فكذلك لا يكون ترك إذن الموالى فى موالاة غيرهم شرطًا فى وجوب لعنة متولى غير مواليه، بل اللعنة متوجهة إليهم فى تولى غيرهم بإذنهم وبغير إذنهم لعموم نهيه عن بيع الولاء وهبته، والله الموفق‏.‏

وفيه من الفقه‏:‏ أنه لا يجوز أن يكتب المولى فلان ابن فلان وهو مولاه حتى يقول فلان مولى فلان، وجائز أن ينتسب إلى نسبه؛ لأته انتمى إليه؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب ومن تبرأ من ولاء مواليه لم تجز شهادته وعليه التوبه والاستغفار؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قد لعنه، وكل من لعنه فهو فاسق‏.‏

وفيه‏:‏ جواز لعنة أهل الفسق من المسلمين، ومعنى اللعنة فى اللغة الإبعاد عن الخير، وسيأتى فى كتاب الحدود معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن لعن الذى كان يؤتى به كثيرًا ليجلد فى الخمر، وأن ذلك ليس بمعارض اللعنة لشارب الخمر وكثير من أهل المعاصى إن شاء الله تعالى‏.‏

وقد تقدم تفسير الصرف والعدل فى آخر كتاب الحج فى باب حرم المدينة‏.‏

باب إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ الرجل

وَكَانَ الْحَسَنُ لا يَرَى لَهُ وِلايَةً‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ‏.‏

وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ رَفَعَهُ، قَالَ‏:‏ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ‏.‏

واختلفوا فِى صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ‏.‏

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ قَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الْوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَق‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

اختلف العلماء فيمن أسلم على يدى رجل من المسلمين، فقال الشعبى كقول الحسن‏:‏ لا ميراث للذى أسلم على يديه ولا ولاء له، وميراث المسلم إذا لم يدع وارثًا لجماعة المسلمين‏.‏

وهو قول ابن أبى ليلى ومالك والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد وحجتهم قوله‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعتق‏)‏ فنفى الميراث عن غير المعتق كما نفى عنه الولاء، وذكر ابن وهب عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ ولاؤه للذى أسلم على يديه‏.‏

وهو قول ربيعة وإسحاق، وفيها قول آخر روى عن النخعى أنه إذا أسلم على يديه الرجل ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه وله أن يتحول عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول إلى غيره‏.‏

وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد واحتجوا بحديث تميم الدارى، رواه مسدد عن عبد الله بن داود، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن وهب، عن تميم الدارى ‏(‏أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى رجل أسلم على يدى رجل‏:‏ هو أحق الناس بمحياه ومماته‏)‏‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ رفع الحديث أحمد بن حنبل وتكلم فيه غيره ولم يروه غير عبد العزيز بن عمر وهو شيخ ليس من أهل الحفظ، وقد اضطربت روايته له فروى عنه وكيع وأبو نعيم، عن عبد الله بن وهب قال‏:‏ سمعت تميمًا الدارى يقول ورواه شريك عن حفص بن غياث عنه، عن عبد الله بن وهب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم، ولا يدرى أسمع قبيصة من تميم أم لا، فلما اضربت الأخبار خشينا ألا يكون محفوظًا‏.‏

وكان ظاهر قوله‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعتق‏)‏ أولى بنا ودل على أن الولاء لا يكون لغير المعتق‏.‏

قال ابن القصار‏:‏ ولو صح الحديث لكان تأويله أحق به يواليه وينصره ويغسله ويصلى عليه ويدفنه إذا مات، ولم يقل هو أحق بميراثه فلا حجة فيه‏.‏

باب مَا يَرِثُ النِّسَاء مِنَ الْوَلاءِ

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ وَوَلِىَ النِّعْمَةَ‏)‏‏.‏

وهذا الحديث يوجب أن يكون الولاء لكل معتق ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن ‏(‏من‏)‏ تصلح للذكر والأنثى وللواحد والجميع إلا أنه ليس للنساء عند جماعة الفقهاء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن‏.‏

قال الأبهرى‏:‏ وهذا قول الفقهاء السبعة وغيرهم من أهل المدينة والكوفة، ليس فيه اختلاف إلا ما يروى عن مسروق أنه قال‏:‏ يرث النساء من الولاء كما يرثن من المال‏.‏

وذكر ابن المنذر عن طاوس مثله، واحتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 7‏]‏ الآية‏.‏

وهذا شذوذ ولم يعرج عليه، وإنما يرث النساء ولاء من أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن؛ لأنه عن مباشرة وليس هو جر الميراث‏.‏

وإنما لم يرث النساء الولاء لأن الولاء إنما يورث بالتعصيب والمرأة لا تكون عصبة‏.‏

ولما كانت المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذى هو أوكد من التعصيب لم ترث الولاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعطى الورق وولى النعمة‏)‏ معناه لمن أعطى الثمن وأعتق بعد إعطاء الثمن؛ لأن ولاية النعمة التى يستحق بها الميراث لا تكون إلا بالعتق‏.‏

باب مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَابْنُ أخْتِ القوم مِنْهُمْ

- فيه‏:‏ أَنَس، قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏)‏‏.‏

- وقال أنس مرةً‏:‏ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏)‏‏.‏

مولى القوم من أنفسهم صحيح فى النسبة إليهم والميراث والعقل‏.‏

وأما ابن أخت القوم محمول عند أهل المدينة أن يكون ابن أختهم من عصبتهم، وعند أهل العراق الذين يورثون ذوى الأرحام ابن أخت القوم منهم يرثهم ويرثونه وقد تقدم الكلام فى ذلك‏.‏

باب مِيرَاثِ الأسِيرِ

وَكَانَ شُرَيْحٌ يُوَرِّثُ الأسِيرَ فِى أَيْدِى الْعَدُوِّ، وَيَقُولُ‏:‏ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ‏.‏

وقال عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ‏:‏ أَجِزْ وَصِيَّةَ الأسِيرِ وَعَتَاقَهُ، وَمَا صَنَعَ فِى مَالِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَالُهُ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ‏.‏

- فيه‏:‏ أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلا فَإِلَيْنَا‏)‏‏.‏

ذهب أكثر العلماء إلى أن الأسير إذا وجب له ميراث، أنه يوقف له ويستحقه، هذا قول مالك، والكوفيين، والشافعى، والجمهور‏.‏

وروى عن سعيد بن المسيب، أنه لم يورث الأسير فى أيدى العدو، وقول الجماعة أولى؛ لأن الأسير إذا كان مسلمًا، فهو داخل تحت عموم قوله‏:‏ ‏(‏من ترك مالاً فلورثته‏)‏، وهو من جماعة المسلمين الذين تجرى عليهم أحكام الإسلام، وغير جائز إخراجه من جملة أحكامهم إلا بحجة لا توجب له الميراث‏.‏

باب لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلا مِيرَاثَ لَهُ

- فيه‏:‏ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ‏:‏ ‏(‏لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ‏)‏‏.‏

ذهب جماعة أئمة الفتوى بالأمصار إلى حديث أسامة وقالوا‏:‏ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم‏.‏

روى هذا عن عمر وعلى وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وجمهور التابعين‏.‏

وفى ذلك خلاف عن بعض السلف، روى عن معاذ بن جبل ومعاوية أن المسلم يرثُ الكافر ولا يرث الكافر المسلم، وذهب إليه سعيد بن المسّيب وإبراهيم النخعى ومسروق‏.‏

واحتجو لذلك فقالوا‏:‏ نرث الكفار ولا يرثونا كما ننكح نساءهم ولا ينكحوا نساءنا، ويرد هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ولا يرث المسلم الكافر‏)‏ والسنة حجة على من خالفها‏.‏

قال ابن القصار‏:‏ والتوارث متعلق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 51‏]‏ يدل أنهم لا يكونون أولياء للكافر فوجب ألا يرثوهم كما لا يرثهم الكافر، وأيضًا فما بين المسلم والكافر أبعدُ مما بين الذمى والحربى فإذا ثبت أن الذمى لا يرث الحربى مع اتفاقهم فى الملة فلأن لا يرث المسلم الكافر أولى لاختلافهما فى الملة‏.‏

وما ذكره من تزويج المسلم الكافرة فإن باب الميراث غير مبنى على التزويج ألا ترى أن الذمى يتزوج الحربية وهو لا يرثها، والحر المسلم يتزوج الأمة المسلمة وهو لا يرثها مع اتفاق دينهما‏.‏

وقولهم ينقلب عليهم؛ لأن الكافر يقول‏:‏ أنا أرث المسلم؛ لأنه يتزوج إلينا وإن لم نتزوج إليه فكما يرثنا نرثه‏.‏

وقوله‏:‏ إذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له وهو قول جمهور الفقهاء‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ إذا أسلم قبل قسمته فله نصيبه، روى هذا عن عمر وعثمان من طريق لا يصح، وبه قال الحسن وعكرمة، وقول الجماعة أصح؛ أنه إنما يستحق الميراث فى حين الموت لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يرث الكافر المسلم‏)‏ فإذا انتقل ملك المسلم عن ماله إلى من هو على دينه ثبت ملكه لمن ورثه من المسلمين ولا يجوز إزالة ملكه إلا بحجة‏.‏

عن ابن المنذر‏.‏

واختلفوا من معنى هذا الحديث فى ميراث المرتد فقالت طائفة‏:‏ إذا قتل على ردته فماله لبيت مال المسلمين وهو قول زيد بن ثابت وبه قال ابن أبى ليلى وربيعة ومالك والشافعى وأبو ثور وأحمد، وحجتهم ظاهر القرآن فى قطع ولاية المؤمنين من الكفار وعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لايرث المسلم الكافر‏)‏ ولم يخص مرتدا من غيره‏.‏

وقال الكوفيون والأوزاعى وإسحاق‏:‏ يرثه ورثته المسلمون‏.‏

وهو قول على وابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن والشعبى والحكم‏.‏

وقالوا‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يرث المسلم الكافر‏)‏ أى الكافر الذى يقر على دينه، فأما المرتد فلا دين له يقر عليه وقالوا قرابة المرتد مسلمون وقد جمعوا القرابة والإسلام فهم أولى‏.‏

وضعف أحمد بن حنبل حديث على‏.‏

وقال أصحاب مالك والشافعى‏:‏ لو صح عن على فإنما جعل ميراث المرتد لقرابته المسلمين لما رأى فيهم من الحاجة، وكانوا ممن يستحق ذلك فى جماعة المسلمين من بيت مالهم، ولم يمكن عموم جماعة المسلمين بميراثه فجعله لورثته على هذا الوجه لا على أنه ورثهم منه على طريق الميراث‏.‏

باب مِيرَاثِ الْعَبْدِ النَّصْرَانِىِّ وَالْمُكَاتَبِ النَّصْرَانِىِّ

لم يدخل البخارى تحت هذا الرسم حديثًا، ومذهب العلماء أن العبد النصرانى إذا مات فماله للسيد؛ لأن ملك العبد غير صحيح ولا مستقر فماله لسيده؛ لأنه ماله وملكه لا أنه يستحقه من طريق الميراث، وإنما يستحقه بطريق الميراث ما كان ملكًا لمن يورث عنه‏.‏

وأما المكاتب النصرانى فإن مات قبل أداء كتابته نظر، فإن كان فى ماله وفاء لباقى كتابته أخذ ذلك مولاه الذى كاتبه، وإن فضلت من ماله فضلة كانت لمن كوتب معه إن كانوا على دينه‏.‏

فإن لم يكن معه أحد فى الكتابة لم يرث ذلك السيد، وكان لبيت مال المسلمين‏.‏

قال الطبرى‏:‏ واتفق فقهاء العراق والحجاز والشام وغيرهم أن من أعتق عبدًا له نصرانيًا فمات العبد وله مال أن ميراثه لبيت المال، وقال ابن سيرين‏:‏ لو كان عبدًا ما ورثه فكيف هذا‏.‏

باب مَنِ ادَّعَى أَخًا أَوِ ابْنَ أَخٍ

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، اخْتَصَمَ سَعْدُ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِى غُلامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِى عُتْبَةَ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ ابْنُ زَمْعَةَ‏:‏ هَذَا أَخِى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِى مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ‏)‏، قَالَتْ‏:‏ فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ‏.‏

قد تقدم أنه لا يجوز استلحاق غير الأب واختلف العلماء إذا مات رجل وخلف ابنًا واحدًا لا وارث له غيره فأقر بأخ فقال ابن القصار‏:‏ فعند مالك والكوفيين لا يثبت نسبه‏.‏

وقال الشافعى‏:‏ يثبت نسبه‏.‏

واحتج بأن الوارث قام مقام الميت فصار إقراره كإقرار الميت نفسه فى حال حياته، ألا ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم ألحق الولد بزمعة بدعوى عبد وإقراره وحده‏.‏

واحتج أهل المقالة بأن الميت يعترف على نفسه والوارث يعترف على غيره، وحكم إقرار الإنسان على نفسه آكد من إقراره على غيره، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر وإقراره بنسب فى حق غيره ليس هو بأكثر من شهادته له، فلو شهد واحد بنسب يثبت على غيره لم تقبل شهادته، فكذلك إقراره على غيره بالنسب أولى ألا يثبت ولا يلزم على هذا إذا كان الورثة جماعة فأقروا به أو أقر اثنان منهم كانوا عدلين؛ لأن النسب يثبت بشهادة اثنين وبالجماعة فى حق الغير الذى هو أبوهم‏.‏

ويقال للشافعى حكم النبى صلى الله عليه وسلم فى قصة ابن زمعة لم يكن من أجل الدعوى وإنما كان من أجل علمه بالفراش كما حد النبى صلى الله عليه وسلم العسيف بقول أبيه؛ لأن ذلك دليل على أن ابنه كان مقرًا قبل ادعاء أبيه عليه ولولا ذلك ما حدَّ بمجرد دعوى أبيه عليه‏.‏

باب مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرَ أَبِيهِ

- فيه‏:‏ سَعْد، قَالَ‏:‏ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبو هُرَيْرَة، قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فإن قال قائل‏:‏ ما وجه هذا الحديث وقد كان من خيار الناس من ينسب إلى غير أبيه كالمقداد بن الأسود الذى نسب إليه، وإنما هو المقداد بن عمرو، ومنهم من يدعى إلى غير مولاه الذى أعتقه كسالم مولى أبى حذيفة، وإنما هو مولى امرأة من الأنصار وهؤلاء خيار الأمة‏؟‏ قيل‏:‏ لا يدخل أحد منهم فى معنى هذه الأحاديث، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يستنكرون ذلك أن يتبنى الرجل منهم غير ابنه الذى خرج من صلبه فنسب إليه، ولا أن يتولى من أعتقه غيره فينسب ولاؤه إليه، ولم يزل ذلك أيضًا فى أول الإسلام حتى أنزل الله‏:‏ ‏(‏وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ ونزلت‏)‏ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 5‏]‏ الآية فنسب كل واحد منهم إلى أبيه ومن لم يعرف له أب ولا نسب عرف مولاه الذى أعتقه وألحق بولائه عنه غير أنه غلب على بعضهم النسب الذى كان يدعى به قبل الإسلام، فكان المعروف لأحدهم إذا أراد تعريفه بأشهر نسبه عرفه به من غير انتحال المعروف به، ولا تحول به عن نسبه وأبيه الذى هو أبوه على الحقيقة رغبة عنه فلم تلحقهم بذلك نقيصة، وإنما لعن النبى صلى الله عليه وسلم المتبرئ من أبيه والمدعى غير نسبه، فمن فعل ذلك فقد ركب من الإثم عظيمًا وتحمل من الوزر جسيمًا، وكذلك المنتمى إلى غير مواليه‏.‏

فإن قيل‏:‏ فتقول للراغب فى الانتماء إلى غير أبيه ومواليه كافر بالله كما روى عن أبى بكر الصديق أنه قال‏:‏ كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف‏.‏

وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال‏:‏ كان مما يقرأ فى القرآن‏:‏ ‏(‏لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم‏)‏‏.‏

قيل‏:‏ ليس معناه الكفر الذى يستحق عليه التخليد فى النار وإنما هو كفر لحق أبيه ولحق مواليه، كقوله فى النساء‏:‏ ‏(‏يكفرن العشير‏)‏ والكفر فى لغة العرب‏:‏ التغطية للشىء والستر له، فكأنه تغطية منه على حق الله عز وجل فيمن جعله له والدًا، لا أن من فعل ذلك كافرًا بالله حلال الدم‏.‏

والله الموفق‏.‏

باب إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ ابْنًا

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كَانَتِ امْرَأَتَانِ وَمَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا‏:‏ إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأخْرَى‏:‏ إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ‏:‏ ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى‏:‏ لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى‏)‏‏.‏

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلا‏:‏ الْمُدْيَةَ‏.‏

أجمع العلماء أن الأم لا تستحلق أحدًا؛ لأنها لو استلحقت ألحقت بالزوج ما ينكره والله تعالى يقول‏:‏ ‏(‏ولا تكسب كل نفس إلا عليها‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 164‏]‏ وإنما يمكن أن تلحق الولد بالزوج إذا أقامت البينة أنها ولدته وهى زوجته فى عصمته، فإن الولد للفراش‏.‏

وفائدة هذا الحديث أن المرأة إذا قالت هذا ابنى ولم ينازعها فيه أحد ولم يعرف له أب فإنه يكون ولدها، ترثه ويرثها ويرثه إخوته لأمه؛ لأن هذه المرأة التى قضى لها بالولد فى هذا الحديث إنما حصل لها ابنًا مع تسليم المنازعة لها فيه‏.‏

وفيه من الفقه‏:‏ أن من أتى من المتنازعين بما يشبه فالقول قوله؛ لأن سليمان جعل شفقتها عليه شبهة مع دعواها‏.‏

وفيه‏:‏ أنه جائز للعالم مخالفة غيره من العلماء وإن كانوا أسن منه وأفضل إذا رأى الحق فى خلاف قولهم‏.‏

ويشهد لهذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وداود وسليمان إذ يحكمان الحرث‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 78‏]‏ الآية فإنه أثنى على سليمان بعلمه، وعذر داود باجتهاده ولم يخله من العلم‏.‏

وسيأتى الاختلاف فى هل كل مجتهد مصيب أو الحق فى واحد من أقاويل العلماء فى كتاب الاعتصام والله الموفق‏.‏

باب الْقَائِفِ

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ إِنَّ النبى صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَىَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ‏:‏ إِنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُهَا لَمِنْ بَعْضٍ‏)‏‏.‏

- وقال مرةً‏:‏ ‏(‏عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ‏:‏ إِنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ‏)‏‏.‏

فى هذا الحديث إثبات الحكم بالقافة، وممن قال بذلك أنس بن مالك، وهذا أصح الروايتين عن عمر، وبه قال عطاء، وإليه ذهب مالك والأوزاعى والليث والشافعى وأحمد وأبو ثور‏.‏

وقال الثورى وأبو حنيفة وأصحابه‏:‏ الحكم بالقافة باطل وذلك تخرص وحدس لا يجوز ذلك فى الشريعة قالوا وليس فى حديث أسامة حجة فى إثبات الحكم بالقافة؛ لأن أسامة قد كان ثبت نسبه قبل فلم يحتج النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك إلى قول أحد ولولا ذلك لما كان دعا أسامة فيما تقدم إلى زيد‏.‏

وإنما تعجب من إصابة مجزز كما يتعجب من ظن الرجل الذى يصيب بظنه حقيقة الشىء ولا يجب الحكم بذلك، وترك الإنكار عليه لأنه لم يتعاط بقوله إثبات ما لم يكن ثابتًا فيما تقدم‏.‏

هذا وجه الحديث، قاله الطحاوى‏.‏

وقال أهل المقالة الأولى‏:‏ لو كان قول مجزز على جهة الحدس والظن وعلى غير سبيل الحق والقطع بالصحة لأنكر ذلك النبى صلى الله عليه وسلم على مجزز، ولقال له وما يدريك، ولم يسر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لأنه ليس من صفته أن يسر بأمر باطل عنده لا يسوغ فى شريعته، وكان أسامة أسود وكان زيد أبيض فكان المشركون يطعنون فى نسبه، وكان يشق ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم فسر بذلك لمكانهما منه‏.‏

وقد كانت العرب تعرف من صحة القافة فى بنى مدلج وبنى أسد ما قد شهر عنهما ثم وردت السنة بتصحيح ذلك، فصار أصلا، والشىء إنما يصير شرعًا للنبى إما بقوله أو بقطعه أو بأن يقر عليه، فلو كان إثبات النسب من جهته باطلا لم يجز أن يقر عليه مجززًا بل كان ينكره عليه ويقول له‏:‏ هذا باطل فى شريعتى، فلما لم ينكره وسر به كان سنة‏.‏

وذهب مالك فى المشهور عنه إلى أن الحكم بالقافة فى أولاد الإماء دون الحرائر، وروى ابن وهب عنه أن الحكم بالقافة فى ولد الزوجة وولد الأمة، وبهذا قال الشافعى‏.‏

قال ابن القصار‏:‏ وصورة الولد الذى يدعيه الرجلان من الأمة هو أن يطأ إنسان أمته ثم يبيعها من آخر فيطؤها الثانى قبل الاستبراء من الأول فتأتى بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الثانى؛ فإن الحكم بالقافة هنا واجب، ولو أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثانى فالولد للأول‏.‏

ووجه قول مالك أن القافة فى ولد الإماء؛ لأنه يصح ملك جماعة رجال الأمة فى وقت واحد ووطؤهم لها إن كان وطء جميعهم غير مباح، وإذا كان ذلك فقد تساووا فليس أحد أولى بالولد من صاحبه إذا تنازعوه لاستوائهم فى شبهة الفراش بالملك، وأما الحرة فإن الوطء الثانى لا يساوى الأول فى الحرمة والقوة فلم يطأ وطأ صحيحًا من قبل أنه إما أن يطأ زوجة زيد مثل أن يتزوجها وهو لا يعلم أن لها زوجًا فقد فرط؛ لأنه قد كان يمكن أن يتعرف ذلك ولا يقدم على وطء زوجة وهى فراش لغيره أو يتزوجها فى عدتها فهو فى التقصير كذلك، أو يجد امرأة على فراشه فيطأها وهولا يعلم فالولد لاحق بصاحب الفراش الصحيح بقوته‏.‏

وأما وجه رواية ابن وهب أن القافة تكون فى ولد الزوجات لاجتماع الواطئين فى شبهة النكاح والملك؛ لأن الولد يلحق بالنكاح الصحيح وشبهته وبالملك الصحيح وشبهته؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد بالوطء للحقه النسب، فكذلك إذا اشتركا فيه وجب أن يستويا فى الدعوى فوجب أن يحكم بالولد لأقربهما شبهًا به لقوة سببه، لأن شبه الولد ممن هو من أدل أدلة الله فوجبت القافة‏.‏

وروى أشهب وابن نافع عن مالك أنه لا يؤخذ إلا بقول قائفين وهو قول الشافعى، وقال ابن القاسم‏:‏ إن القائف الواحد يجزئ‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ إنما قيل له مجززًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا حلق لحيته‏.‏

وأسارير وجهه‏:‏ هى خطوط بين الحاجبين وقصاص الشعر‏.‏

وروى عن عائشة أنها قالت‏:‏ ‏(‏دخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرق أكاليل وجهه‏)‏ جمع إكليل وهى ناحية الجبهة وما يتصل بها من الجبين‏.‏

وذلك أن الإكليل إنما يوضع هناك، وكل ما أحاط بالشىء وتكلله من جوانبه فهو إكليل‏.‏

عن الخطابى‏.‏